الاستثمارات العربية بالجزائر

مدونة تهتم بالاستثمارات العربية بالجزائر وتدافع عنها


الخبرة اللبنانية تجتمع مع الثروة الخليجية في ملتقى الجزائر الاقتصادي


 

الخبرة اللبنانية تجتمع مع الثروة الخليجية في ملتقى الجزائر الاقتصادي


 

روبورتاج: مصطفى دالع

 

      الملتقى الثالث للاستثمار العربي الذي عقد في الجزائر يومي 20 و 21 جانفي 2008 كان مميزا وناجحا في نفس الوقت، فالتنظيم على العموم كان ممتازا إذا ما قارناه بالمؤتمر الحادي عشر لرجال الأعمال العرب الذي عقد في نوفمبر 2006 بفندق الهيلتون والذي لم تتسع قاعته الرئيسية للعدد الكبير من المستثمرين العرب والجزائريين على حد سواء ناهيك عن الصحافيين الذين حضروا بكثافة، وكان قرار استضافة فندق الشيراطون لملتقى الاستثمار العربي بدلا من فندق الأوراسي قرارا ذكيا وحكيما، فكبر الفندق وروعة هندسته وإطلاله على البجر الأبيض المتوسط فضلا عن الجو المعتدل جعله تحفة فنية أثارت إعجاب ضيوفنا العرب وأعطت عن الجزائر صورة جميلة عكست شساعة أرضها، واعتدال مناخها ورحابة صدر أهلها، وهو الانطباع الذي لمسناه لدى العديد من المسثمرين العرب.

      قبل يوم من الملتقى ساد جدل حول حضور رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لافتتاح أشغاله خاصة وأنه الراعي الرسمي للملتقى وسبق له وأن افتتح أشغال مؤتمر رجال الأعمال العرب قبل نحو عامين وكان حضوره أنذاك مميزا نظر للسمعة الجيدة التي يحظى بها في العالم العربي، لكن تأكد فيما بعد عدم حضوره، وبالمقابل حضر رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم المعروف بحبه للعرب والمسلمين وشارك وزير الصناعة وترقية الاستثمارات حميد تمار بقوة في هذا الملتقى بعد أن غاب عن ملتقى الهيلتون.

    جريدة الحوار من جانبها جندت معظم أعضاء القسم الاقتصادي لتغطية هذا الحدث المحوري الذي افتتح به العام الجديد، ووضع تحت تصرف القسم الاقتصادي مصور الجريدة أمين شيخي الذي قام بعمل ممتاز، بالإضافة إلى السائق عمي حسن الذي أجهد معنا خلال هذين اليومين.

      وصلنا إلى فندق الشيراطون وتحصلنا بيسر على شارة الصحفي وما لفت انتباهنا هو إشراف مضيفات لبنانيات من مجموعة الاقتصاد والأعمال على استقبال الضيوف وتوجيههم، وفي العادة كان الجزائريون هم من يقومون بالإشراف العام على المؤتمرات والملتقيات التي تنظم في بلادنا إلا إذا كان اللبنانيون طرفا في التنظيم وهو ما لاحظته في المؤتمر القومي العربي الذي عقد بالجزائر في 2005، وتسلمت إحدى المضيفات اللبنانيات منا حزمة من نسخ جريدة "الحوار" ووعدت بالتكفل بتوزيعها على المشاركين في الملتقى، فقد كانت "الحوار" الجريدة الوحيدة التي وزعت بكثافة على المستثمرين العرب والجزائريين إلى جانب مجلة "الأعمال والاقتصاد" اللبنانية العريقة.

 

الكفاءات اللبنانية والأموال الخليجية كانت حاضرة بقوة

      القاعة الرئيسية للمحاضرات في الطابق الثاني ورغم كبرها حجمها إلا أنها كانت ممتلئة بالحضور، ومع ذلك كان التنظيم جيدا وتمكن المنظمون من تجاوز بعض الأخطاء التي وقعت في مؤتمر الهيلتون، ولا يعود حسن التنظيم فقط إلى حجم الفندق بل يرجعه البعض إلى أن مسؤولي الغرفة الوطنية للصناعة والتجارة كانوا أكثر اقتناعا بانتماء الجزائر إلى العالم العربي الإسلامي من منظمي مؤتمر الهيلتون الذي تساءل خلاله الكثيرون "كيف يشرف مفرنسون على مؤتمر لرجال الأعمال العرب؟".

     والملفت للانتباه أن الوزير حميد تمار الذي لا يجيد استعمال اللغة العربية فاجأنا عندما أخذ الكلمة وتحدث بلغة عربية فصيحة لم نعتدها عنه من قبل، ورغم بعض الأخطاء اللغوية التي ارتكبها في نطق بعض الكلمات إلا أنه بدا واضحا أن الوزير المعروف بإتقانه للغة الفرنسية قد بذل مجهودا يشكر عليه في تعلم لغة بلده، وقد أشاد إبراهيم بن جابر رئيس الغرفة الوطنية للتجارة والفلاحة الذي ترأس جلسة الافتتاح بعربية الوزير غير المتوقعة.

   وبعد أن تداول على كلمات الافتتاح كل من رؤوف أبو زكي رئيس مجموعة الاقتصاد والأعمال اللبنانية وعدنان القصار رئيس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة في البلاد العربية بالإضافة إلى المهندس بن جابر والوزير تمار تم افتتاح المعرض المصاحب للملتقى والذي عرف مشاركة العديد من المؤسسات الجزائرية والعربية، وكان حضور المصارف العربية المعتمدة في الجزائر قويا، وعلى رأسها بنك السلام الإماراتي الذي أخبرني نائب رئيس مجلس إدارته حسين الميزة أنه سيكون أكبر بنك خاص في الجزائر برأسمال يفوق سبع ملايير دينار، وأنه سيعتمد على مبادئ الشريعة الإسلامية في تعاملاته المصرفية وسيشرف على إدارته إطارات جزائرية كانت مقيمة في الخليج، وإلى جانب بنك السلام كان حضورا بنك البركة (الإسلامي) بارزا إذ أنه كان من بين الشركات الراعية للملتقى وأبدى أحد إطارته لنا عن ترحيبه بفكرة دخول بنك إسلامي ثان إلى السوق الجزائرية لأنه سيساعد على خلق سوق للصيرفة الإسلامية، أما ممثلي بنك المؤسسة العربية المصرفية فكان ترحيبهم بنا خاصا ولطيفا وصححوا لنا الخطأ الذي يقع فيه العديد من الجزائريين بين "أ بي سي بنك" و"البنك العربي"، وأخبرونا بأنهم يمثلون أول بنك خاص اعتمد في الجزائر في 1998، رغم أن بنك البركة مثلا اعتمد في 1991، وأضافوا أن 70 بالمئة من رأسمال البنك بحريني فيما تساهم شركة التمويل المصرفية السعودية بـ17 بالمئة، و5 بالمئة مساهمة شركة "كار" الجزائرية للتأمينات، وفي جانب آخر جلس عدنان القصار رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في البلاد العربية والذي يشغل أيضا منصب الرئيس المدير العام لبنك فرنسا على أريكة وحوله فتاتين شقراوتين وشاب ذو ملامح أوربية وبعد أن أجريت مع القصار حوارا سريعا، حدثني الشاب بعربية فصيحة مخلوطة بكلمات فرنسية وقدم نفسه لي على أنه المدير العام لفرع بنك فرنسا في الجزائر وأن اسمه جوزيف دقاق، تفاجأت في البداية لأنني كنت أعتقد بأنه فرنسي خاصة وأنه يدير بنك فرنسا الجزائر، لكنه أوضح لي أن البنك وإن كان في الأصل فرنسيا لكن العديد من رجال الأعمال العرب قاموا بشرائه وإعادة بيعه إلا أن اشترته أخيرا عائلة القصار وقد فتح فرعا له في الجزائر منذ نحو عام فقط.

     اللوبي الاقتصادي اللبناني كان حاضرا بقوة هذه المرة خاصة المستثمرين المقيمين في فرنسا، على عكس المستثمرين الأردنيين الذين ميزوا مؤتمر الهيلتون بحضورهم الكثيف نظرا لأن رئيس مؤتمر رجال الأعمال العرب كان أردنيا، وقد لوحظ غياب تام لرجال أعمال أردنيين في هذا الملتقى في حين كان هناك إقبال قوي لرجال أعمال خليجيين من الإمارت والسعودية والكويت فاق المتوقع، وقد أبدى هؤلاء رغبة قوية في استثمار مبالغ ضخمة لإنجاز مجمعات صناعية وتجارية وسكنية بالجزائر، فالفرص الاستثمارية كثيرة بالجزائر والأموال متوفرة ولم يبق سوى تجسيد هذه المشاريع ميدانيا، على غرار شركة مواد الإعمار القابضة الكويتية التي كشف لنا أحد إطاراتها عن رغبتهم في استثمار سبع ملايير دولار لإنجاز مدينة صناعية يقومون بتأجير نصفها واستثمار شطرها الثاني في إنشاء مصانع للإسمنت وحديد الخرسانة ومختلف المواد الخاصة بالبناء.

 

الأتراك والانجليزية والصحافة الاقتصادية

   في خيمة بيضاء كبيرة نصبت بالقرب من فندق الشيراطون دعي المشاركون في ملتقى الجزائر الاقتصادي إلى مأدبة غداء، وكان يجلس إلى جانبي ثلاث مستثمرين أتراك وبالقرب منهم مدير الموارد البشرية في شركة رأس الخيمة العقارية الإماراتية، وبادرني رجل الأعمال التركي "تايفون ساتلتاب" من شركة "تيركسال" للاتصال بالحديث والتحية قصد التعارف لكننا وجدنا مشكلا في التواصل فلم أكن أجيد اللغة التركية وبدوره لم يكن يتقن اللغة العربية لكنه بالمقابل كان يتكلم الانجليزية بطلاقة، وسألته عن مدى رغبتهم في الاستثمار بالجزائر لكنه أشار إلى أن عدم إتقانه للعربية يقف عائقا أمام اقتحامهم ميدان الاستثمار في بلادنا، وتشعب النقاش بيننا ولكن لغتي الانجليزية البسيطة لم تسعفني طويلا، فقد أصابها الصدأ لأنني لم أضطر للتحادث بها أخر مرة إلا في 2005 مع طيار تشيكي، وسألته إن كان يتقن الفرنسية فرد بالنفي، لكن لحسن حظنا أن زميلا له كان يتقن الفرنسية فتكفل بعملية الترجمة من الفرنسية إلى التركية، وتفاجأ الأتراك عندما علموا أنني درست الإعلام الآلي في مدرسة تركية خاصة بتعليم اللغات ـ ومن بينها التركية ـ للحزائريين بالإضافة إلى الإعلام الآلي وبدوا مهتمين بمعرفة الصورة التي يحملها الجزائريون عن تركيا، وقادنا الحديث حينها إلى الدولة العثمانية وتواجدها بالجزائر، وقص علي تايفون باستغراب حادثة جرت في الولايات المتحدة الأمريكية بطلاها جزائري ومصري كانا يتبادلان الحديث بالانجليزية رغم أن كلاهما عربي، لكن المسكين كان سيغمى عليه من شدة العجب لو شاهد جزائريان وفي الجزائر يتبادلان الحديث بالفرنسية.    

 

لو أمتلك قطعة أرض في الجزائر سأبني العجب

  بعد تناولنا الغداء تمشيت مع أحمد الحمادي مدير الموارد البشرية والخدمات الإدارية بشركة رأس الخيمة العقارية وكان شابا يشبه أحد أصدقائي الفلسطينيين، كان الجو مشمسا ورائعا في عز موسم الشتاء وزرقة مياه شواطئ موريتي اللازوردية واخضرار تربتها يجعل المكان يتربع على عرش السياحة في الجزائر وربما في العالم العربي أجمع لولا نقص الترويج له، وقد حدثني رفيقي مليا عن إمارة رأس الخيمة بالإمارات العربية المتحدة التي سبق وأن قرأت حوارا لأميرها نشرته مجلة فوربز الأمريكية ـ النسخة العربية ـ فهذه الإمارة لا تملك بترولا ولا غازا مثلما هو الشأن بالنسبة لإمارتي أبوظبي ودبي وبدرجة أقل الشارقة لذلك تعد رأس الخيمة أقل الإمارات العربية المتحدة غنا ولكنها مع ذلك تستفيد من مشاريع الحكومة الفدرالية، على غرار مشروع جزيرة الريم العملاق الذي تشرف على إنجازه شركة رأس الخيمة العقارية، وقد سلمني الحمادي كاتالوغات ومخططات عن مدينة المستقبل هذه التي تضم ميناء ذو هندسة خيالية وناطحات سحاب يتوسطها برج ضخم يدعى برج رأس الخيمة، وقال لي بأن الاستثمارات المخصصة لهذا المشروع تقدر بنحو من خمس مليارات دولار.

    وفي ردهة الفندق تعرفت على رجل أعمال سعودي من أصل يمني يدير شركة مختلطة جزائرية سورية سعودية نسمة "سكن أنفست" مختصة في العقار وعرفني على المدير التنفيذي للشركة وقال عنه أنه إنسان فاضل ويسمى جعفر شلي وهو جزائري وتحدثنا حينها عن سر اهتمام رأس المال الخليجي بالاستثمار في الجزائر، فأجابني هذان المستثمران بأن أكثر من 650 مليار دولار من أموال الخليجيين كانت مكدسة في البنوك الأمريكية والأوروبية ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لم تعد الأموال العربية مرحبا بها كما في السابق، ومع وفرة الأموال بفعل ارتفاع أسعار البترول أصبح لا بد من استثمار هذه الأموال في أسواق واعدة كالجزائر التي بذل الكثير من الجزائريين على مستويات عدة مجهودات كثيفة لتغيير صورة الجزائر في الخارج وساعد استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في بلادنا على تزايد الاهتمام الخليجي بالجزائر، لكن المدير التنفيذي جعفر شلي أبدى أسفه لصعوبة الحصول على العقار في الجزائر وقال بأن شركتهم المختلطة تقدمت بطلبات للحصول على قطع عقارية لإنشاء مشاريع سكنية وسياحية لكن منذ عامين ونصف لم يحصلوا على تراخيص لإنجاز هذه المشاريع، خاصة مشروع سياحي في تيبازة كادت تستكمل به جميع الدراسات ولم يبق سوى موافقة وزارة السكن وولاية تيبازة على المشروع حتى تنطلق الأشغال.

     وفي نهاية اليوم الأول من أشغال الملتقى كانت لنا جلسة خفيفة مع إبراهيم بن جابر رئيس الغرفة الوطنية للتجارة والصناعة الذي أشرف على تنظيم المؤتمر رفقة وزارة الصناعة وترقية الاستثمارات ومجموعة الاقتصاد والأعمال بالإضافة إلى اتحاد الغرف العربية، وقد بدا بن جابر جد سعيد بالنجاح الذي حققه الملتقى في يومه الأول بفضل الحضور القوي والنوعي لرجال الأعمال العرب والأجانب والمنظمات الاقتصادية العربية والإقليمية خاصة وأن عشر دول عربية وأربع دول أوروبية سجلت حضورها في هذا الملتقى، بالإضافة إلى مشاركة العديد من الوزراء في هذا الملتقى على غرار وزير السكن نور الدين موسى، وزير البيئة والسياحة شريف رحماني ووزير الفلاحة سعيد بركات ووزير الموارد المائية عبد المالك سلال ووزير المالية كريم جودي بالإضافة إلى وزير النقل محمد مغلاوي.

 

 

الجزائر بحاجة إلى إنشاء 600 ألف شركة جديدة

 اليوم الثاني من أشغال ملتقى الجزائر الاقتصادي كان أكثر ثراء وعرف مداخلات قوية لعدد من المتدخلين أبرزهم عبد المجيد بغدادلي المدير العام للوكالة الوطنية لترقية الاستثمار الذي أشار إلى أن الجزائر تملك 400 ألف شركة وهذا العدد قليل بالنسبة لدولة بحجم الجزائر من ناحية المساحة والسكان، وكشف بغدادلي أن الجزائر بإمكانها استيعاب 800 ألف إلى مليون شركة، ولكن الخطأ الفادح الذي ارتكبه بغدادلي هو تقديم مداخلته بالفرنسية أمام مستثمرين عرب قلة منهم من يجيد هذه اللغة مما استفز العديد من الجزائريين والعرب الذين انتقدوه في مداخلاتهم دون ذكره بالاسم.

   أما جمال فواز رئيس جمعية المعلوماتية في لبنان فنصح الجزائريين بالترويج لفرص الاستثمار في بلادهم بالانجليزية لأنه لا يمكنهم الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستثمرين بالفرنسية، ودعا المستثمرين العرب إلى عدم المبالغة في الحديث عن صعوبة الاستثمار في الجزائر مضيفا أن بعض المستثمرين العرب ينسون أن هذا البلد قارة ويتعاملون معه وكأنهم داخلون إلى قطر، معتبرا أن الجزائر متأخرة نسبيا في ميدان المعلوماتية التي تعرف أكبر نسب النمو في العالم.

      وعند نهاية جميع الجلسات كان الكل في انتظار قدوم رئيس الحكومة للإشراف على اختتام أشغال الملتقى، وبعد لحظات ساد صمت وترقب كسره دخول بلخادم إلى المنصة مرفوقا بوزير النقل ورئيس مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبوزكي الذي استهل كلمته بالقول بأن هذا الملتقى كسر الحاجز النفسي الذي تشكل بعد العمليات الإرهابية التي شهدتها الجزائر في نهاية 2007، وقدم أرقاما متضاربة مع الارقام المتداولة لدى الصحافة الجزائرية حيث ذكر أن قيمة المشاريع العربية في الجزائر بلغت 7 ملايير دولار فيما قدرت المشاريع المرتقبة بـ 16 مليار دولار (34 مليار دولار حسب مصادر أخرى)، وأضاف أن الحكومة الجزائرية وافقت على 80 مشروعا استثماريا خاصا، وأن الإنفاق الاستثماري العمومي بلغ 125 مليار دولار، وعرج أبو زكي على ذكر مختلف الإصلاحات الجارية في الجزائر لتطوير النظام المصرفي وترقية الفلاحة، وعلى هذا الأساس أعلن رئيس مجموعة الاقتصاد والأعمال رسميا عن تحويل ملتقى الجزائر الاقتصادي إلى ملتقى سنوي.

 

الإرادة السياسية تدعم الاستثمار العربي بلا جدال

     عندما أخذ رئيس الحكومة الكلمة شدد على وجود إرادة سياسية قوية لدعم الاستثمار العربي في الجزائر واعتبر أن الأمر مفروغ منه ولا يحتاج حتى مجرد التذكير به لكنه أوضح أن الإرادة السياسية ليست سوى مدخل لرفع سور التفاهم، ثم أعطى الكلمة للمستثمرين العرب والجزائريين لطرح انشغالاتهم التي انصبت في معظمها على تعدد التشريعات المتعلقة بالضرائب وتعقدها، وإشكالية الترخيص للبنوك العربية وخاصة الإسلامية منها للنشاط في الجزائر، ومشكل تحويل العقار الفلاحي لاستغلاله كعقار صناعي، والضمانات المقدمة للمستثمر العربي لإنتاج الطاقة الكهرومائية من السدود.

   بلخادم كان جد مقنع في إجاباته حتى أن المستثمرين العرب صفقوا عليه مرارا  حيث أوضح للمشاركين أن الجزائر بصدد إضافة مادة في قانون المالية تمنع إدراج أي تعديل على القانون لا يكون ذو أثر مالي، وأشار إلى وجود إصلاح جبائي يهدف لتبسيط الإجراءات الجبائية وتخفيضها سواء بالنسبة للمواطن أو المؤسسات، أما بالنسبة للإصلاح المصرفي فأشار بلخادم إلى أن المنظومة المصرفية الجزائرية سعت في البداية إلى دعم تشغيل الشباب وتشجيع التصنيع المحلي فتحولت بذلك إلى منظومة دفع أثقلت كاهل دافع الضرائب وخزينة الدولة فتم فتح المجال للبنوك الخارجية للدخول إلى الجزائر حيث أن أغلب معاملاتها تركزت على القرض الاستهلاكي وبالأخص ذلك المتعلق بتمويل شراء السيارات، وأرجع بلخادم صعوبة منح رخص فتح فروع لبنوك أجنبية بالجزائر إلى أن اللجنة المكلفة بمنح الرخص التي يترأسها لا تجتمع بانتظام مما يؤدي إلى تأخر الإجابة على طلبات البنوك الأجنبية، وفيما يتعلق بالبنوك الإسلامية قأشار رئيس الحكومة إلى اعتماد بنك السلام مؤخرا وقال"بادروا ومرحبا بكم".

  وفي رده على سؤال ممثل شركة إعمار الإماراتية حول مشكل العقار قال الرجل الثاني في الجهاز التنفيذي أن الدولة تملك وكالة عقارية تحصي كافة الوعاء العقاري المخصص للاستثمار الصناعي وعندما يجتمع المجلس الوطني للاستثمار تحت رئاسته ويدرس مختلف المشاريع المعروضة عليه وبعد الموافقة عليها ينظر إذا كان طلب المستثمر موجودا ضمن الوعاء العقاري لدى الوكالة أما إذا كان ضمن العقار الفلاحي فتعرض القضية على وزير الفلاحة لينظر إن كان فيه إمكانية لتحويله للاستغلال الصناعي ثم يرفع القضية لرئيس الحكومة للبت فيها، وطمأن بلخادم ضمنيا شركة إعمار بإمكانية حل مشكلها المتعلق بالعقار.

  مداخلة عبد المالك سراي الخبير الاقتصادي الجزائري أمام رئيس الحكومة كانت قوية وشدت انتباه القاعة نظرا لدقتها وصراحتها حيث قال "الإخوان العرب ليس لهم صورة مضبوطة عن الاستثمار في الجزائر وليس لهم خريطة واضحة المعالم عن هذا الاستثمار" وانتقد بشدة المسؤولين الجزائريين الذين يخاطبون المستثمرين العرب بفرنسية لا يفهمونها، واعتبر سراي من جهة أخرى أن قانون الاستثمار في الجزائر من أحسن القوانين في العالم "فالبنك المركزي يضمن النسبة المئوية لتحويل الأرباح والاستثمار... والجزائر بلد قارة لم تستغل سوى 12 بالمئة من الإمكانيات المعروفة، ولديها يد عاملة عالية الكفاءة بفضل شبابها المتخرج من الجامعات بدرجات متفاوتة، وما ينقصها سوى الإعلام، طالبا من رئيس الحكومة القيام بعمل جبار في هذا الشأن، وعندما أحيلت الكلمة لرئيس الحكومة للتعقيب عليه فرفض التعقيب وكأنه كان مقتنعا بكل كلمة قالها سراي فانفجرت القاعة بالتصفيق.

 

غياب شباك وحيد للاستعلام أول عائق أمام المستثمرين

   قبل اختتام أشغال الملتقى كلفت زميلي بوعلام وسامية بتغطية الندوة الصحفية التي سينشطها وزير الصناعة وترقية الاستثمارات حميد تمار، في حين كان لي موعد مع عبد المالك سراي، وجلسنا على مائدة الغداء وكان معنا هذه المرة سيدة أعمال فرنسية ندعى "نادية دوماك" الرئيسة المديرة العامة لشركة "أنهام فرانس" ظننتها في البداية من أصول جزائرية لكنها أصرت على أصولها الفرنسية، كما تعرفت خلال هذه الجلسة على ثلاث مستثمرين لبنانيين مقيمين في أوروبا، وبوجود فرنسيين بيننا تحول النقاش من الشق الاقتصادي إلى القضايا التاريخية والسياسية المتعلقة برفض الفرنسيين الاعتراف بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية.

   وعلى الساعة الرابعة مساء وبعد اختتام أشغال الملتقى بنحو ساعتين اجتمعت بالمستثمرين اللبنانيين الثلاثة الذين التقيتهم في الغداء بعد موعد سابق بيننا ويتعلق الأمر بكل من حبيب فارس مدير شركة "فينا فاستمنت" ببريطانيا، أنطوان منسى نائب رئيس الجامعة اللبنانية في العالم التي تمثل اللوبي اللبناني العالمي والتي يوجد مقرها حاليا في البرازيل، ويشغل أنطوان منصب مستشار بمجمع "معوض أنفستمنت" بلبنان بينما يقيم هو في باريس، بالإضافة مارك صبري المدير العام لشركة "أكسيونال" للتصدير والاستيراد، وأبدى ثلاثتهم رغبة جدية في الاستثمار بالقطاع العقاري والسياحي بالجزائر، لكنهم طرحوا مشكل غياب شباك وحيد للاستعلام حول فرص الاستثمار وكيفية الحصول على  العقار، فمصادر المعلومة الاقتصادية في الجزائر متعددة، ولكن من المسؤول لا أحد يضيف أحدهم، فما يقدم من تطمينات الرسميين جميل لكنه نظري والواقع أمر آخر، فالمستثمر العربي لا يريد أن يقضي شهورا ويتعب بين إدارة وأخرى قبل حتى أن ينطلق مشروعه في الوقت الذي لا يتطلب الأمر في فرنسا لتأسيس شركة سوى يوم واحد فقط.

   وفي الغد قام السيد مارك صبري بزيارة إلى مقر جريدة "الحوار" بقلب العاصمة رفقة شقيق زوجته الجزائرية، وتعرف على هيئة تحرير الجريدة وكانت لنا معه جلسة طيبة وأجرينا معه حوارا سيصدر قريبا رفقة جملة من الحوارات الاقتصادية حول الاستثمارات العربية في الجزائر التي بدأت تشق طريقها نحو تحقيق مزيد من التكامل العربي.             

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية