الاستثمارات العربية بالجزائر

مدونة تهتم بالاستثمارات العربية بالجزائر وتدافع عنها


تجارب الحوار ونماذجه

تجارب الحوار ونماذجه


 

بقلم أ. حمدي عبدالعزيز

شاع مؤخرًا استعمال كلمة "الحوار" في الأدبيات الفكرية والسياسية والإعلامية، فالحديث يدور الآن حول: حوار الأديان، والحوار الإسلامي- المسيحي، وحوار الشمال والجنوب، والحوار العربي- الأوروبي، والحوار بين الأنظمة السياسية والقوى السياسية والفكرية.

 

وقد جرى استعمال هذه الكلمة في الساحة الدولية منذ ما يقرب من عقود ثلاثة ضمن سياق دولي خاص، فقد أملت المواجهة بين القطبين الأمريكي والسوفيتي إلى إطلاق آليات للحوار بينهما، بما يجنب العالم احتمال حرب عالمية جديدة تقضي على الحضارة الإنسانية.

 

وبهذا فالحوار كان موجهًا بالخصوص من القوتين المتنازعتين إلى بعضهما بعضًا في الوقت الذي بقي طابع الهيمنة والتوسع والعنف يسيطر على علاقات كل من هاتين القوتين بباقي دول العالم، وكان من الطبيعي أن تبرز رؤية متشائمة مفادها أن مجموعة الحوارات التي ضمت القوى الكبرى مع دول ومناطق العالم مثل: حوار الشمال، والجنوب، والحوار الإسلامي- المسيحي، والحوار العربي- الأوروبي، ثم الحوار العربي- الصهيوني تجيء في إطار سعي هذه القوى لتحقيق الهيمنة، خصوصًا على العالم الإسلامي.

 

مفهوم الحوار

والحوار مشتق من الحَوَر، وهو الرجوع أو مراجعة الكلام، والمحاورة هي المجادلة، واصطلاحًا، فالحوار لفظ عام يشمل صورًا عديدة، منها: المناظرة والمجادلة، كما يقصد به المناقشة بين الطرفين أو أطراف، بقصد تصحيح كلام، أو إظهار حجة، وإثبات حق، أو دفع شبهة، ورد الفاسد من القول، أو الرأي على اختلاف وسائله، وثمَّة غايات للحوار مثل: إيجاد حلٍّ وسطٍ يُرضي الأطراف، والتعرف على وجهات النظر، والبحث والتنقيب للاستقصاء والاستقراء.

 

وفي القرآن الكريم مواضع لا تُحصى للحوار: الحوار بين الله والملائكة، والحوار بين الله وإبليس، والحوار بين الله والأنبياء، وحوار الأنبياء مع أقوامهم، وحوار الأنبياء والصالحين مع أنفسهم، والحوار بين المؤمنين وغيرهم، وفضلاً عن ذلك يدعو القرآن الكريم إلى الحوار في العلم والدعوة، والحياة مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46)، والحوار بهذه الطريقة لا يعني فقط السعي لتوضيح القضايا المختلف عليها؛ ولكن أيضًا يقرب الناس، ويخلق حركة فكرية ومجتمعات متعلمة متحركة.

 

وغياب الحوار في مجتمع ما يصبغه بالجمود والقهر والعنف، فهو من ناحية يدل على نظام للتنشئة والتربية لا يشجع فضيلة الحوار، ولا يرسخ المبادئ التي يقوم عليها الحوار؛ بل في أحيان أخرى يقمع الحوار، ويصوره على غير صورته؛ إما خوفًا منه، أو من نتائجه، أو جهلاً بأهميته وضرورته في الحياة.

 

ومن ناحية أخرى فإن غيابه يعبر عن آفة فكرية خطيرة تتمثل في الكراهية لممارسة الحوار، والتي ترتبط بتنزيه وتضخيم الذات، إما لضعف الحجة، أو بدعوى الحرص على وحدة الصف، والكلمة، أو تحت شعار (ذم الإسلام للجدال والمراء) مع التغافل عن نصوص وشواهد من السُّنة ووقائع من التاريخ، تبين أن الحوار والجدال بالتي هي أحسن هو الممدوح والمطلوب، فهذه الآفة تؤدي إلى سيادة أجواء الريبة والتربص وعدم الثقة والتمكين لأفكار وفئات على حساب أخرى واستمرار الانقسام الفكري والإيديولوجي الذي يجد فيه "الخارج" التربة الملائمة للاختراق.

 

الحوارات العربية- الأوروبية

ومن النماذج المعروفة للحوار: الحوار العربي- الأوروبي الذي دعت إليه أوروبا بعد حرب العاشر من رمضان عام 1973م تحت شعار (التعاون وتحقيق الأهداف المشتركة)، وبعد مؤتمر مدريد للسلام 1991م أخذ هذا الحوار أشكالاً أخرى مثل: مجموعة الحوار عبر المتوسط ومجموعة 5+ 5، والملاحظ أن هناك دولاً أوروبية مشاركة في هذه الحوارات تسعى إلى حشر عضوية الكيان الصهيوني.

 

كما أن معظم هذه الحوارات يفتقد التوازن والندية والتكافؤ؛ حيث يتم مراعاة أجندة الطرف الأقوى، وتخترقه في نفس الوقت نزعة مركزية أوروبية؛ حيث القابلية للإنصات للآخر، والاستعداد لتقبله، والاعتراف به، والتواصل الثقافي معه أمور تكاد تكون معدومة عن ساحة هذا الحوار.

 

وإلى جانب أنها تناقش مسائل تهم الأوروبيين بالأساس مثل: "الإرهاب" و"الأمن" و"الهجرة غير الشرعية"... إلخ، فإنها تؤدي إلى تعاون اقتصادي يزيد من أرباح الطرف الأقوى، وأعباء وديون الطرف الأضعف، ولعل الدليل الأبرز ما قاله وزير خارجية فرنسا أمام البرلمان الفرنسي قبل عدة أعوام مترافعًا عن السياسات الفرنسية في إفريقيا، دفاعًا عن ميزانية المساعدة والتعاون، يجب ألا ننس أن كل فرنك يقدم لإفريقيا يسترد سبعة فرنكات في التجارة الخارجية.

 

ومن تلك النماذج أيضًا الحوار الديني- الديني، ويتمثل في الحوار الإسلامي- المسيحي، والذي يحاول في الآونة الأخيرة إلى تحقيق التعاون البناء والأهداف العربية من خلال دخول مثقفين مسيحيين وإسلاميين في إطار مؤتمر الحوار العربي- المسيحي على خط الحوار وتبنيهم هدف تعميم ثقافة الحوار والتعاون المتبادل والعيش المشترك؛ بغية تنمية مجتمع العدالة والحرية، ومواجهة الأخطار التي تهدد النسيج الوطني ومعالجة التوترات الطائفية، وكذلك ترسيخ العيش الواحد ضمن التعددية والتضامن والتكافل والوحدة، والتبادل الحضاري والثقافي.

 

وكانت البداية لهذا الحوار المسيحي- الإسلامي عام 1962م بإعلان مجمع الفاتيكان الثاني دعوته إلى الحوار بين الأديان، وأصدر النشرات والكتب الموضحة لذلك، ووضع خطة الإعداد، وتدريب المحاورين من القساوسة والخبراء، وتبعه قيام مجلس الكنائس العالمي الذي يضم الطوائف غير الكاثوليكية بتشكيل لجنة "الحوار" مع أصحاب العقائد والمثل الحية.

 

وقامت منظمة يونسكو برعاية هذا الحوار بين الأديان، فأعلنت أن عام 1995م هو عام التسامح، وأصدرت نشرة خاصة كان أبرز ما فيها الدعوة إلى التسامح بين الأديان، والتأكيد على الحرية الدينية، وهي ذات الدعوة التي تكررت في المؤتمرات التالية التي عقدتها المنظمة في أوروبا، أو بالمشاركة مع منظمة إيسيسكو (منظمة التربية والعلوم والثقافة العربية) في بعض العواصم العربية.

 

وهناك رؤيتان بخصوص الحوار الديني- الديني، الأولى: تنطلق من أن هذا الحوار ينطلق من منطلقات بعيدة عن الحسابات السياسية، وتصب في خدمة التقارب الإنساني، وبالتالي يسير باتجاه اعتراف كل طرف بالآخر، والاستعداد للانفتاح عليه، والبعد عن جعله دعوة مبطنة لدين ونوازع التشكيك ومقاصد التجريح.

 

والثانية: ترى أن الهدف الحقيقي الذي يتسلل من وراء الحوار المسيحي- الإسلامي يتمثل في الحملات التنصيرية في إفريقيا والعالم والثالث، وخلق بؤر توتر بين المسلمين والمسيحيين، كما هو الحال في دولة السودان تعبيرًا عن عقدة المركز الديني؛ إذ لا تزال الكنيسة الغربية تصر على مقولة: "لا خلاص خارج الكنيسة".

 

ويرى هذا الفريق أنه ليس شرطًا حدوث التنصير الكامل، وإنما الهدف هو تغيير المفاهيم والقيم في أوساط المسلمين، ويدخل في هذا الإطار الدعوة إلى "التزامل والتآخي والوحدة بين الأديان" الذي تتبناه مؤسسات مثل: المعهد الدولي للحوار بين الحضارات في جنيف، الملتقى الإبراهيمي في قرطبة، والمركز الثقافي في القلعة الحرة في قرطبة، ويظهر في أدبيات هذه المؤسسات والقائمين عليها أن التآخي والوحدة نوعان: الوحدة الصغرى، وهذا خاص بالأديان التي تعلن انتمائهما إلى إبراهيم، وهي اليهودية والنصرانية والإسلام فيما يُطلق عليه البعض "الأديان الإبراهيمية"، والوحدة الكبرى وتشمل جميع الأديان والملل الوثنية بحجة أن هذه الأديان هي آثار نبوات سابقة.

 

نماذج عربية في الحوار

وقد شهدت الدول العربية في نفس الفترة عدة تجارب للحوار منها: في مصر؛ حيث قام الحزب الحاكم بإجراء الحوار مع أحزاب المعارضة الرئيسة باستثناء الإخوان المسلمين، وذلك بعد دعوة الرئيس المصري في خطابه أمام المؤتمر السنوي للحزب الوطني الحاكم لإجراء حوار بين الحزب وأحزاب المعارضة وتوقيع ميثاق شرف بينها، ولم تكن هذه هي الدعوة الأولى فقد سبقها العديد من جولات الحوار، كان أهمها عام 1994م عندما دعا الحزب الوطني إلى الحوار في إطار مؤتمر وطني يضم الأحزاب المصرية، وكان الدافع الأساس لهذه الدعوة وجود ضغوط داخلية تتعلق بالعنف السياسي بين الشرطة وجماعات العنف (التي راجعت موقفها مؤخرًا)، فضلاً عن تراكم المشكلات الاقتصادية نتيجة اتباع توجيهات صندوق النقد الدولي وسياسات الخصخصة، والتي أثرت سلبًا على المجتمع المصري.

 

وفي فلسطين المحتلة انعقدت جولات ثلاث من الحوار أولها في يونيو 2002م بين حركة فتح وحماس، والثانية في شتاء 2003م، وجمعت 12 فصيلاً فلسطينيًّا، والثالثة في ديسمبر 2003م وحضرتها نفس الفصائل، وعقدت الجولات الثلاث في القاهرة برعاية المخابرات المصرية، وشهدت تباينًا في المواقف كنتيجة طبيعية لوجود نهجين أحدهما ينطلق من التسوية كخيار وحيد للحصول على أكبر قدر من الحقوق الفلسطينية، وسعى خلال هذه الجولات من الحوار إلى توقيع هدنة من جانب الفصائل وتفويض سلطة الحكم الذاتي في التفاوض مع الكيان الصهيوني، والثاني نهج المقاومة الذي يرى أن هناك اعتبارات شرعية وواقعية- إضافةً إلى الفشل في الحصول على الحقوق في التسوية- تؤكد أن خيار المقاومة المسلحة هو البديل المناسب لحسم الصراع العربي- الصهيوني.

 

وفي السعودية ظهر نموذج للحوار بين الحاكم والمحكوم في إطار منهج جديد في التعامل بين الطرفين، والذي شهد إقامة مركز الملك فهد للحوار الوطني في أغسطس 2002م في الرياض ليكون مركز الاتصال بين الحكومة والمواطن السعودي بهدف معرفة التغييرات في جوانب الإصلاح المرغوب فيها، وعقد لقاءين للحوار الفكري في يونيو 2003م، ثم فبراير 2004م، ثم التركيز فيهما على القضايا التي تتعلق بالشأن الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والإعلامي والعلاقات الدولية فيما يتعلق بالجهاد وأحكامه والتعامل مع غير المسلمين.

 

وأدت هذه الحوارات بلا شك إلى العديد من الفوائد؛ من أبرزها طرح مختلف الأفكار الإصلاحية أثناء اللقاء المباشر، بما يعني إمكانية التقارب والتأثير المتبادل بينها في تجربتي السعودية ومصر، ومنع وصول الخلافات بين التيارات والفصائل الوطنية من الوصول إلى درجة الغليان، كما في الحالة الفلسطينية؛ حيث منع الحوار بين فتح وحماس من ظهور احتمال الاقتتال الداخلي الذي يهدف إليه الاحتلال الصهيوني والطرف الخارجي الداعم له وتوافقت جميع التيارات والفصائل الفلسطينية على استمرار الحوار من أجل بلورة رؤية مشتركة لكافة المستجدات الداخلية والخارجية وتشديد الموقف الفلسطيني وليس الاستسلام أو تقديم الاستحقاقات دون مقابل.

 

لكن الملاحظ أن الضغوط الخارجية شكلت خلفية هذه الحوارات؛ حيث رأت الحكومات والقوى السياسية أن الحوار هو الوسيلة الناجعة لمواجهة هذه الضغوط، وبالتالي فإن هذه الخلفية لا تعتبر مشكلة على الإطلاق، إنما كانت المشكلة في أجندة الحوارات ونتائجها؛ حيث سيطرت على الحوار أجندة تابعة تتعلق بقضايا أثارها سياسيون وإعلاميون أمريكيون في إطار شرحهم للمبادرات الأمريكية المتعلقة بإعادة تشكيل المنطقة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، مما يعني أن هذه الحوارات لم تناقش التهديدات الخارجية، سواء تلك الموجودة في هذه المبادرات والساعية إلى تشكيل الإنسان العربي والمسلم وفق القيم الأمريكية الغربية أو التهديدات الناتجة عن الإعلام الجديد الموجه باللغة العربية مثل مجلة (هاي) وإذاعة (سوا)، وفضائية الحرة والتي لا تحاول تبرير السياسات الأمريكية فقط، وإنما تتجه إلى صناعة حوار مع جمهور المشاهدين حول الثوابت الدينية والسياسية الخاصة بالعقائد الإسلامية والقضية الفلسطينية.

 

وكانت النتيجة الطبيعية هي ترحيل القضايا الجوهرية إلى المستقبل والحديث عن عموميات مثل الوحدة الوطنية والديمقراطية، ونبذ الخلافات والتطرف دون تحديد الآليات الملائمة لتحقيق أهداف محددة تتعلق ببلورة رؤية مشتركة للمستجدات وتوسيع هامش المشاركة والحريات.

 

شروط النجاح

وبناءً عليه يمكن القول: إن أي حوار يحتاج إلى عدة شروط من أجل إنجاحه وتبدأ باعتماد نهج مستقل في الحوار يعبر عن القضايا بصدق وواقعية دون مبالغات أو إغراق في التشاؤمية أو رغبة في مصادرة رأي من الآراء؛ لأن ما يقوي ويعزز النسيج الوطني هو فتح باب الحوار وعدم الحكم على النيات وإعطاء الفرصة لكافة القوى الاجتماعية للمساهمة في دعم الجبهة الداخلية؛ انطلاقًا من مبدأ التعاون للوصول إلى الأهداف المشتركة في إطار ثوابت الأمة.

 

ومن ملامح هذا المنهج المستقل: سلوك الطرق العلمية والتزامها من تقديم الأدلة وصحة النقل، وسلامة خطاب المتحاورين وخلوه من التناقض، والاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مسلمة، سواء كانت عقلية أو نقلية، والتجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب والالتزام بأدب الحوار مثل تجنب منهج التحدي والالتزام بوقت محدد في الحوار، وحسن الاستماع وتجنب المقاطعة والإخلاص... إلخ، الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون والالتزام الجاد بها وبما يترتب عليها.

 

بعبارة أخيرة: المطلوب القدرة على الحوار واختيار الحوار الذي نريده والأهداف التي نريدها، وفي حال فعلنا هذا نستطيع أن نقول: إننا امتلكنا زمام المبادرة الحضارية وتخلصنا من عبء الواقع وكسبنا المستقبل فيقول تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

 

---------

المراجع:

1 - د. عبدالعزيز عثمان التويجري، الحوار من أجل التعايش، القاهرة، مكتبة الشروق، ط1، 1998.

2 - مجلة المجتمع الكويتية.

3 - صحيفة الأهرام المصرية.

4 - موقع إسلام توداي


www.Islamtoday.com

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية