| جولة في فكر البنا.. الثغرات السبع01 | ||
|
2- الخلافات الدينية والمذهبية: والأستاذ لم يقصد هنا خلو الدنيا من الخلافِ ولكنه قصد أمرين: الأول الخلاف المذهبي العميق الجذور وتصدير هذا الخلاف على أنه حقيقة نهائية وليس اختلافًا يسعه العقل والقلب، والثاني تحوُّل هذا الخلاف إلى خصومة وعداوة واقتتال.. وهو ما شهده التاريخ الإسلامي كثيرًا.
وحتى لا نُنكر أنفسنا فقد كانت الدنيا كلها في هذا الوقتِ تصعد خلافاتها على مستويات أفظع بمراحل كثيرة مما كان في العالم الإسلامي وقتها.. وهذا لا يُبرر حدوث خلافات وصراعات ما زال بعضها إلى يومنا هذا مرشحًا للتصعيد والتأجيج الخارجي حتى تمتد أصابع المتلاعبين ليلعبوا كيفما شاءوا ?وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ? (يوسف: من الآية 21).
لذلك يجدر بالعاملين في الحركة الإسلامية أخْذ كل التحوطات التي تمنع وتحول دون تصاعد خلافات ذات مستوى مذهبي عميق.
3- انتقال السلطة والسياسة إلى غير العرب ممن لم يتذوقوا الإسلام الصحيح ولم تُشرق قلوبهم بأنوارِ القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه: والمقارنة بين الفتوحاتِ التي قادها وأنجزها العرب والتي قادها وأنجزها غيرهم تُشير إلى هذا المعنى، والمقصود بالعربية هنا اللسان وليس العِرق، والبخاري والترمذي والنسائي نماذج لذلك، ولعلَّ الحساسية المفرطة لأوروبا من الإسلام جزءًا منها صنعته حروبها مع الدولة العثمانية التي كانت في بعضِ الإحيانِ لا تُعبر عن أخلاقِ المسلمين الفاتحين كما كانت في الهندِ وشمال أفريقيا.
4- الانغماس في ألوان الترف والنعيم: وكلمة الانغماس ذات دلالة عميقة وهي تختلف عن رغد العيش الذي يدعو إليه الدين فضلاً عن أن يُنكره، وكان الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله يسأل الله (من العيش أرغده ومن العمر أسعده).. ونقرأ في الكتابِ الكريم أن سيدنا موسى ?تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ? (القصص: من الآية 24) يدعو ربه في إشارةٍ إلى حالة الهدوء والراحة حتى لا يكون منشغلَ البال بعطشٍ أو حرارة.. ولكن كلمة (الانغماس) تُشير إلى (التنافس والوهن)، وهما ما حذَّر منهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "...أن تتنافسوا الدنيا كما تنافسها الذين من قبلكم".. وطبيعي أن يكون التنافس في مجالات الرفاهية التي هي في أيامنا هذه على نطاق هائل من سيارات وفيلات ومزارع وما إلى ذلك من أشكال التفاخر والمباهاة.
والوهن الذي هو (حب الدنيا وكراهية الموت) وهو المحصلة الطبيعية والنتيجة المنطقية للترف؛ لأنه يؤدي بطبيعة الحال إلى (التثاقل إلى الأرض) حتى يطرق الغزاة أبوابَ الأوطان.
ونُكمل الأسبوع القادم إن شاء الله.
------------------
| جولة في فكر البنا.. الثغرات السبع 2
|
5- (إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة):
كانت الحضارة الإسلامية حتى القرن الرابع عشر تعتمد الرؤية الشاملة (للعلم) على مستوى القيادة وعلى مستوى الأمة، وكانت ثقافة (اطلبوا العلم ولو في الصين) و(اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد) تملأ أركان الدولة الإسلامية، حاملةً لواء النهضة والتنوير الإنساني في الدنيا كلها.
وكان مفهوم العلم ينسحب على علوم الدنيا وعلوم الدين، فلم يكن هناك تفضيل لأيهما على الآخر، إلى أن بدأت المفاهيم الناقصة تتسرَّب إلى وعي الأمة بدءًا من القرن الرابع عشر كما ذكرنا، فحدث أن استقرَّ مفهوم العلم على أنه الفقه والشريعة فقط!! (وأُهملت العلوم العملية والمعارف الكونية) تمامًا.
ولأن الفراغ يستدعي ما يملأه فقد صُرفت الأوقات والجهود في الفلسفات العقيمة، مثل أحاديث الجبرية والقضاء والقدر وخلق القرآن وما إلى ذلك، وتبع ذلك كله خلافات لا حصر لها وصلت إلى حد التقتيل والتعذيب ولا حول ولا قوة إلا بالله!!
في الوقت نفسه كانت أوروبا تنفض عن نفسها غبار الجهل والاستبداد، وبدأت الاكتشافات البحرية والعلمية التي أدت إلى الثورة الصناعية، وانتقل لواء النهضة والتنوير الإنساني من يد إلى يد وفق نواميس وقوانين كونية ثابتة، ولكن للأسف مما أضر بالإنسانية أبلغ الضرر!!
فشهدت الأرض أبشع صورة من صور المعاملات الإنسانية وهي (الملكية الاستعمارية) والتي خرجت منها الشيوعية كعقيدة رافضة للرأسمالية، والفاشية كعقيدة استعلاء وعنصرية والتي خرجت منها النازية التي أشعلت حربين كونيتين من أسوأ حروب التاريخ كله.
6- (غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة وأخذتهم على غرة): في الوقت الذي ران فيه على الأمة الإسلامية مفهوم الاستبداد السياسي على أنه من (الأقدار الحتمية) في أسوأ فهم وتطبيق لمعنى (الإيمان) كانت أوروبا تنقض بنيان الملوك والأباطرة وتُعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم من جهة وعلاقات الناس ببعضهم من جهة أخرى.. صحيح أن الأمر لم يكن على المستوى المثالي ولكنه أحدث من التطور الاجتماعي- على نحو ما يشير الأستاذ البنا- نقلةً هائلةً ولم تنتبه الأمة إلى ما يحدث حولها في الدنيا إلا على مدافع نابليون وقد أخذتهم على غِرة.
ونستطيع أن نرصد ببساطة شديدة عبقرية (البنا) الذي كان (اسمًا) على مسماه الحقيقي كما يقول الشهيد سيد قطب في الربط بين (غرور الحكام) و(إهمال النظر في التطور الاجتماعي) في ربط محكم للاستبداد السياسي بالتخلف الاجتماعي.
7- (الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع): يشير الأستاذ البنا هنا إلى مقولة ابن خلدون في إعجاب المهزوم بالمنتصر وتقليده تقليدًا أعمى وابن خلدون رصد هذه الظاهرة الاجتماعية (كقانون تاريخي)، ويرصدها هنا الأستاذ البنا رصدًا عمليًّا إصلاحيًّا، ولعل (دسائس الخصوم) قد ظهرت بوضوح في أخريات الإمبراطورية العثمانية، وحالت دون أي محاولة للحفاظ على هذه (الرابطة الكبرى) وزادت وتغلغلت فيما رأيناه بعد ذلك في (سايكس بيكو).
ولم يكن ذلك على المستوى السياسي فقط، ولكن كان أخطر منه وأدهى يتم على المستوى الاجتماعي (في الاندفاع فيما يضر ولا ينفع) في إشارة منه- رحمه الله- إلى أن التقليد النافع لا يعيب في شيء، ولكن للأسف كان التقليد الضارُّ أغلب وأعم بدءًا من (رطانة اللسان) التي تؤكد وتغرس في الفرد تبعيته لغيره وانتهاءً بالسلوك الاجتماعي وممارسات الحياة اليومية، ولم يكن البنا- رحمه الله- عنصريًّا حين أكد في وصاياه العشر لإخوانه على أهمية التحدث بالعربية الفصحى ما استطاعوا؛ لأن اللغة ليست ألفاظًا تُردَّد فقط وليست وسيلةَ تواصل فقط، ولكنها فهمٌ وثقافةٌ ووعاءٌ للتفكير والخيال، ومن ثم كان الحفاظ عليها في اللسان والحديث حفاظًا وصونًا لما تمثله من خصوصية واعتزاز في الوعي والسلوك، ناهيك عن أنها لغة القرآن الكريم.
رحم الله البنا رحمةً واسعةً، وجعلنا الله جميعًا امتدادًا أمينًا لما كان يمثله ونهضَ به وقام له رجاءً فيما عند خالقه سبحانه وحبًّا وإخلاصًا لوطنه وأمته.
------------
* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين










